لا تزال الحقائق القديمة عن الحروب تلقي بظلالها على قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فبعد شهر من بدء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، يواجه ترامب معضلة حقيقية: إما إعلان نصر زائف أو تصعيد الصراع.

إن الفشل في استيعاب دروس التاريخ يضع ترامب أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإذا لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق مع إيران، فسيكون عليه إما التظاهر بتحقيق نصر لن يصدقه أحد، أو المخاطرة بتوسيع نطاق الحرب.

تعود هذه الحقائق إلى الاستراتيجي العسكري البروسي هيلموت فون مولتكه الأكبر، الذي قال في عام 1871: "لا توجد خطة تصمد عند أول احتكاك مع العدو". وفي سياق مماثل، يرى الملاكم مايك تايسون أن "الجميع لديه خطة إلى أن يتلقى الضربة". أما الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور، فقد أكد أن "الخطط لا قيمة لها، لكن التخطيط هو كل شيء"، مشيراً إلى أن الانضباط والمنهجية في وضع الخطط يتيحان تغيير المسار عند الضرورة.

بالنسبة لترامب، كان صمود النظام الإيراني هو العنصر غير المتوقع، حيث كان يأمل في تكرار سيناريو فنزويلا، لكنه اصطدم بواقع مختلف تماماً.

أوضح أيزنهاور في خطاب ألقاه عام 1957 أنه في حالة الطوارئ، يجب التخلي عن الخطط القديمة والبدء من جديد، لكن هذا لا يعني الاستغناء عن التخطيط المسبق الذي يمنح القدرة على التعامل الذكي مع المشكلات.

وعلى عكس ما كان متوقعاً، لم يستسلم النظام الإيراني بعد مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، بل استمر في العمل والرد، مستغلاً وضعه الضعيف.

في المقابل، يبدو أن ترامب يتصرف بشكل ارتجالي، معتمداً على غرائزه بدلاً من الاستخبارات والنصائح الاستراتيجية، وعندما سُئل عن موعد انتهاء الحرب، أجاب بأنه "عندما أشعر بذلك في داخلي".

يعتمد ترامب على دائرة ضيقة من المستشارين الذين يوافقونه الرأي، مما يزيد من صعوبة خوض الحرب، ويقلل من فاعلية القوة النارية الأمريكية.

قبل أسابيع، راهن ترامب ونتنياهو على حملة قصف مكثفة، أسفرت عن مقتل أكثر من 1400 مدني إيراني، لكن النظام في طهران لا يزال صامداً ويقاتل، ويكتشف ترامب الآن سبب تردد أسلافه في خوض حرب مماثلة.

إن النظام الإيراني خصم عنيد ومنظم، تأسس في خضمّ الحرب العراقية، ويقوم على المؤسسات والمعتقدات الدينية، مما يجعل اغتيال القادة غير كافٍ لإسقاطه، كما أن النظام يعتبر الخسائر البشرية ثمناً مقبولاً للبقاء.

لم يكن النظام الإيراني ليضاهي القوة النارية للولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه وسع نطاق الحرب، وهاجم جيرانه العرب والقواعد الأمريكية وإسرائيل، وأغلق مضيق هرمز، مما أدى إلى اضطراب الأسواق المالية العالمية.

أنفقت إيران مليارات الدولارات لبناء شبكة من الحلفاء والوكلاء، لكنها تُظهر الآن أن ميزة جغرافية، وهي مضيق هرمز الضيق، يمكن أن تكون وسيلة ردع وتهديد أكثر فاعلية.

فالحلفاء يمكن أن يُقتلوا، أما الجغرافيا فتبقى كما هي، وتكتشف الولايات المتحدة وإسرائيل أن النظام الإيراني سيطالب بدور كبير في إعادة فتح مضيق هرمز.

وكما أشار نائب القائد السابق لحلف الناتو، فإن أي محاكاة عسكرية كانت ستُظهر أن الحرس الثوري الإيراني سيغلق مضيق هرمز، وهذا يعيدنا إلى أهمية التخطيط لكيفية بدء الحرب، وكيفية إنهائها، وكيفية التعامل مع اليوم التالي.

ويشمل "محور المقاومة" أيضاً الحوثيين في اليمن، الذين أطلقوا صواريخ على إسرائيل، وإذا استأنفوا هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر، فإن السعودية ستفقد طريقها البحري الغربي لتصدير النفط إلى آسيا، كما أن ذلك قد يخلق أزمة اقتصادية عالمية أشد سوءًا.

على عكس ترامب، كان نتنياهو يفكر ملياً في هذه الحرب، وتحدث بوضوح عن أهداف إسرائيل منها، وهو وضوح افتقده ترامب.

يؤمن نتنياهو بأنه يستطيع ضمان أمن إسرائيل في المستقبل من خلال إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالجمهورية الإسلامية، وكان يعتبر إيران دائماً أخطر أعداء إسرائيل.

وقد شكر نتنياهو الجيش الأمريكي وترامب على "مساعدتهما"، ثم انتقل إلى النقطة التي تمثل جوهر القضية بالنسبة له، وهي توجيه ضربة قاصمة للنظام الإرهابي.

وكان نتنياهو والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية قد درسوا سبل خوض حرب مع إيران، وكان الاستنتاج السائد هو أن السبيل الوحيد لتحطيم القدرات العسكرية الإيرانية هو التحالف مع الولايات المتحدة.

ورغم العلاقة العدائية بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين اعتبروا أن أفضل وسيلة للتعامل مع الجمهورية الإسلامية هي احتواؤها.

وقد أدرج ترامب التهديد النووي ضمن قائمته المتنامية من الأسباب لخوض الحرب، لكن لا توجد أدلة موثوقة على أن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي، ويكتشف ترامب الآن سبب اعتبار أسلافه أن مخاطر اختيار الحرب ستكون كبيرة جداً.

تبدو هذه الحرب وكأنها تتحول إلى مثال كلاسيكي على كيفية قتال قوة أصغر وأضعف لعدو أكبر وأقوى، وما زال الوقت مبكراً لمقارنتها بحروب أخرى انتهت بهزائم للولايات المتحدة.

وقد تحدد القرارات المقبلة لكل من ترامب ونتنياهو ما إذا كانت الحرب في إيران ستتحول إلى خطأ استراتيجي كبير آخر للولايات المتحدة.

وقد أرجأ ترامب مرتين تهديده بتدمير شبكة الكهرباء في إيران، ويقول إن السبب هو أن إيران تسعى بشدة إلى إبرام اتفاق لإنهاء الحرب.

وتجري اتصالات بين الجانبين، بوساطة باكستان وأطراف أخرى، لكن الإيرانيين ينفون تأكيد ترامب بأن هذه المفاوضات وصلت إلى مستوى مفاوضات شاملة.

ولم يُنشر نص رسمي لخطة السلام التي طرحها الرئيس والمكونة من 15 نقطة، لكن نسخاً مسربة تُظهر وثيقة تجمع كل المطالب التي قدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران على مدى سنوات، وردّت إيران بمطالبها الخاصة، غير المقبولة بدورها من الجانب الآخر.

وما لم يتمكن الطرفان من تحقيق قفزة نوعية نحو أرضية مشتركة غير مسبوقة من التوافق، فمن الصعب تصور التوصل إلى اتفاق.

وتدعم مصادر دبلوماسية عربية تقارير أخرى، إذ أخبرتني أن إيران كانت تعرض مساراً نحو اتفاق بشأن برنامجها النووي عندما تخلت الولايات المتحدة فجأة عن المسار الدبلوماسي وذهبت إلى الحرب.

وتقف الحرب عند نقطة حرجة، فإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الأمريكيين والإيرانيين، فلن يكون أمام ترامب سوى خيارات محدودة، وقد يؤدي ذلك إلى انهيار في الأسواق المالية العالمية وإثارة قلق حلفائه.

والأرجح أن يقرر ترامب تصعيد الحرب، إذ توجد قوات أمريكية إضافية متجهة إلى الخليج، ولا يتحدث أحد عن غزو شامل لإيران، لكن من الممكن أن يحاول الأمريكيون السيطرة على جزر في الخليج، وقد يصب ذلك في مصلحة إيران، التي تسعى إلى جرّ الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة.

لقد أدرك ترامب في إيران أنه يواجه حدود قوته، فالنظام الإيراني لديه تعريف مختلف للنصر والهزيمة، إذ يعتبر البقاء على قيد الحياة نصراً بحد ذاته.

لكنهم الآن يطمحون إلى أكثر من ذلك، إذ يعتقدون أن السيطرة على مضيق هرمز تمنحهم نفوذاً جديداً لفرض مطالب، وربما لتحقيق مكاسب استراتيجية.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن "الرئيس ترامب لا يماطل، وهو مستعد لإطلاق العنان للجحيم، وعلى إيران ألا تُخطئ في التقدير مرة أخرى".

غير أن الهزيمة في الحرب ليست خياراً، فلو كانت إيران قد تعرضت لهزيمة قاسية كما يقول ترامب وفريقه، لكان النظام في طهران قد انهار بالفعل.

ويمكن للولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق مزيد من الدمار وقتل عدد أكبر بكثير من الأشخاص في إيران، وفي لبنان، تواصل إسرائيل هجومها على حزب الله، الحليف الرئيسي لإيران.

وفي غياب وقف لإطلاق النار، يحسبون أنهم قادرون على تصعيد مستوى القوة حتى لا يكون أمام الإيرانيين خيار سوى الاستسلام.

لكن ذلك ليس مؤكداً على الإطلاق.

فكلما طالت الحرب، تفاقمت عواقبها على المنطقة والعالم أجمع، وقد أخبرني علي واعظ، المحلل البارز للشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية، بأنها قد تكون "كارثية".

وفي عام 1956، خاضت المملكة المتحدة وفرنسا الحرب إلى جانب إسرائيل بعد أن قام الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، وقد حققوا جميع أهدافهم العسكرية، لكنهم أُجبروا على الانسحاب بضغط من الرئيس الأمريكي أيزنهاور.

وبالنسبة لبريطانيا، كانت تلك بداية نهاية هيمنتها الإمبراطورية على الشرق الأوسط.

وتواجه الولايات المتحدة صعود الصين، وعندما يُكتب تاريخ المنافسة بينهما على لقب أقوى قوة في العالم، قد تُعتبر حرب ترامب غير المخطط لها جيداً ضد إيران نقطة تحول، أو محطة في مسار التراجع، كما كانت أزمة السويس بالنسبة للمملكة المتحدة.